في خطوة لافتة تعكس عمق الروابط الثقافية بين المملكة العربية السعودية والجزائر، وتأكيدًا على الدور المحوري للأدب في بناء الهوية وتعزيز التفاهم بين الشعوب، استضاف معرض الجزائر الدولي للكتاب، في دورته التاسعة والعشرين لعام 2026، المملكة العربية السعودية كضيف شرف. وقد مثلت هذه المشاركة منصة هامة لعرض المشهد الثقافي السعودي، وكان من أبرز فعالياتها ندوة حوارية بعنوان “الحكاية التي لا تشيخ في الأدب السعودي”، التي نظمتها هيئة الأدب والنشر والترجمة، مقدمةً رؤى عميقة حول استلهام التراث السردي في الأدب المعاصر.
الحكاية الشعبية: ذاكرة المجتمع ومستودع الإبداع
قدمت الدكتورة منال العمري، في قاعة المحاضرات الكبرى بالمعرض، عرضًا شيقًا استعرضت فيه الأهمية البالغة للحكاية الشعبية كمستودع غني لذاكرة المجتمع. لم تكن الحكاية مجرد سرد للأحداث، بل هي تجسيد لذاكرة المكان، وصوت الرواة الذين حملوا هذا الإرث عبر الأجيال، وصدى المجالس التي كانت تعج بالحكايات التي تتوارثها الأجيال. وأكدت الدكتورة العمري أن هذه الحكايات، بمكنوناتها الفنية وقيمتها التراثية، تشكل أساسًا صلبًا لتطور الأدب والسرد، وتمنحه عمقًا وأصالة. إن استحضار هذه الحكايات ليس مجرد استعادة للماضي، بل هو عملية حيوية لتغذية الحاضر وإلهام المستقبل. فالأدب السعودي، من خلال هذه الندوة، يؤكد على أن جذوره المتأصلة في التراث الشعبي هي مصدر قوته ومرونته في مواجهة تحديات العصر.
التراث السردي كقوة دافعة للإبداع وتجديد المشهد الثقافي
لم تقتصر الندوة على عرض أهمية الحكاية الشعبية، بل تجاوزت ذلك لتؤكد على دورها كقوة دافعة للإبداع. أشارت الدكتورة العمري إلى أن التراث السردي والحكائي يمتلك القدرة على تجديد الرؤى الأدبية، وفتح آفاق جديدة للكتاب والمبدعين. فهو يوفر لهم مادة غنية ومتنوعة، تمكنهم من إعادة صياغة المفاهيم، وتقديمها بأسلوب معاصر، مع الحفاظ على جوهرها الأصيل. هذا التجديد لا يقتصر على الأدب فحسب، بل يمتد ليشمل بناء المشهد الثقافي ككل، ويعزز الحوار الفكري بين مختلف الأطياف والمجتمعات. إن إحياء الحكايات القديمة وإعادة سردها بأساليب مبتكرة يساهم في خلق هوية ثقافية متينة، قادرة على التفاعل مع التيارات العالمية دون أن تفقد بصمتها الخاصة.
الأدب السعودي في الحوار الفكري العربي: نافذة للتقارب والتفاهم
تعد مشاركة المملكة العربية السعودية كضيف شرف في معرض الجزائر الدولي للكتاب، وما صاحبها من فعاليات ثقافية وأدبية، فرصة ثمينة لتعزيز الحضور السعودي في الحوارات الفكرية العربية. لقد سلطت الندوة الضوء على أهمية الاحتفاء بالكتاب والتراث، ليس فقط كوسيلة لفهم تاريخ الأدب ومسارات تطوره، بل أيضًا كنافذة أساسية لفهم ثقافات الشعوب الأخرى. إن الأدب، وخاصة ذلك المستمد من حكايات الأجداد، يحمل في طياته قيمًا مشتركة ولغة إنسانية عالمية تتجاوز الحدود الجغرافية والسياسية. وهذا يفتح آفاقًا واسعة للتبادل الثقافي، ويعمق أواصر التقارب بين الشعبين الشقيقين، السعودي والجزائري، ويسهم في بناء جسور من التفاهم والاحترام المتبادل في الساحة العربية الأوسع. إن استثمار هذا الزخم الثقافي من خلال معارض ومبادرات مماثلة يعد ضرورة لتعزيز الوحدة الثقافية العربية في عالم يشهد تزايدًا في التحديات.
في الختام، تمثل ندوة “الحكاية التي لا تشيخ في الأدب السعودي” في معرض الجزائر الدولي للكتاب، نموذجًا يحتذى به في كيفية استثمار التراث الثقافي كأداة قوية للإبداع، وتعزيز الهوية، وتقوية الروابط الثقافية. إنها رسالة واضحة بأن الماضي ليس مجرد صفحات في كتاب، بل هو نبض حي يغذي حاضرنا ويشكل مستقبلنا الأدبي والثقافي.

اترك تعليقاً