شينجن، الصين – اختتمت فعاليات منتدى دبي للأعمال – الصين، الذي استضافته مدينة شينجن الصينية، أعماله تاركاً وراءه بصمة واضحة على مسار تعزيز العلاقات الاقتصادية والاستثمارية بين دبي والصين. شهد المنتدى، الذي عقد تحت شعار “زخم متسارع للعلاقات من أجل نجاح اقتصادي مشترك”، مشاركة قياسية بلغت 854 من أبرز المستثمرين وقادة الشركات الصينية، بالإضافة إلى أكبر وفد أعمال خارجي تقوده غرف دبي في تاريخها، والذي ضم 112 مسؤولاً من القطاعين الحكومي والخاص في الإمارة. هذه المشاركة الكبيرة تعكس الأهمية الاستراتيجية المتزايدة للسوق الصينية بالنسبة لدبي، وتجسد التزام الجانبين بتطوير آفاق جديدة للتجارة والاستثمار والشراكات.
تطوير آفاق التعاون الاقتصادي في قطاعات المستقبل
لم يكن المنتدى مجرد لقاء دبلوماسي أو تجاري تقليدي، بل كان منصة حيوية لاستشراف المستقبل الاقتصادي. فقد استعرض 22 متحدثاً على مدار 15 جلسة، فرص التعاون في قطاعات اقتصاد المستقبل الواعدة. شملت هذه القطاعات مجالات حيوية مثل الذكاء الاصطناعي، والتصنيع المتقدم، والخدمات اللوجستية، والتنقل الذكي، والمنصات الرقمية، ورأس المال الجريء. هذه المجالات تمثل عصب الاقتصادات الحديثة، وتعكس رؤية دبي الاستراتيجية نحو تبني الابتكار والتكنولوجيا لقيادة النمو الاقتصادي.
إن تركيز المنتدى على هذه القطاعات المستقبلية ليس من قبيل الصدفة، بل هو استجابة واعية للتحولات العالمية المتسارعة. فالذكاء الاصطناعي، على سبيل المثال، لم يعد مجرد مفهوم نظري، بل أصبح محركاً أساسياً للإنتاجية والكفاءة في مختلف الصناعات. كما أن التصنيع المتقدم والخدمات اللوجستية المتكاملة والتنقل الذكي تشكل ركائز أساسية لتنمية التجارة العالمية وتعزيز القدرة التنافسية. من خلال هذه المناقشات، فتح المنتدى الباب أمام الشركات الصينية للاطلاع على الفرص التي توفرها أجندة دبي الاقتصادية D33، والتي تهدف إلى ترسيخ مكانة الإمارة كمركز عالمي للأعمال والابتكار.
دبي كبوابة استراتيجية للشركات الصينية
أكد معالي المهندس سلطان بن سعيد المنصوري، رئيس مجلس إدارة غرف دبي، في كلمته الافتتاحية، على الأسس المتينة التي ترتكز عليها العلاقات بين دبي والصين، والتي تمتد لعقود من التواصل والتعاون. وأشار إلى أن الثقة المتبادلة والرؤية التنموية المتقاربة أسهمتا في بناء روابط تجارية متينة ومتنامية. وأوضح معاليه أن المقومات التكاملية بين اقتصادي البلدين تتيح فرصاً أوسع للانتقال من العلاقات الراسخة إلى مرحلة أكثر تقدماً من الاستثمار والابتكار وتحقيق القيمة المشتركة. وتعد الصين أكبر شريك تجاري عالمي لدبي، حيث شهدت التجارة غير النفطية بين الجانبين نمواً متسارعاً، وارتفعت من 166.4 مليار درهم في عام 2016 إلى نحو 363.5 مليار درهم في عام 2025، بنمو بلغ 118.4%. كما استقطبت دبي أكثر من 300 مشروع استثمار أجنبي مباشر من الصين، بإجمالي رؤوس أموال تجاوزت 24.6 مليار درهم خلال الفترة من 2016 لغاية 2025.
تعكس هذه الأرقام الدور المتنامي لدبي كبوابة استراتيجية تتيح للشركات الصينية فرص التجارة والتوزيع والتوسع في أسواق متعددة. فبيئة الأعمال المرنة في دبي، وبنيتها التحتية المتقدمة، ومنظومتها الداعمة للأعمال والابتكار، بالإضافة إلى موقعها كمركز تجاري ولوجستي ومالي يربط الشركات بالأسواق الإقليمية والعالمية، كلها عوامل تجعل منها وجهة مثالية للشركات الصينية الساعية إلى تعزيز حضورها الدولي. كما أن ارتفاع عدد الشركات الصينية النشطة المسجلة في عضوية غرفة تجارة دبي، ليصل إلى 6,650 شركة بنهاية سبتمبر 2026، يؤكد هذه الحقيقة.
الذكاء الاصطناعي كقاطرة للنمو والابتكار
كان للذكاء الاصطناعي حضور بارز في فعاليات المنتدى، حيث تناول سعادة محمد علي راشد لوتاه، مدير عام غُرف دبي، برنامج التحول نحو الذكاء الاصطناعي المساعد (Agentic AI) للقطاع الخاص في دبي. يهدف هذا البرنامج إلى تسريع تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي المساعد من قبل مجتمع الأعمال، وتمكين وتدريب أكثر من 295 ألف شركة في القطاع الخاص عبر توفير 100 مساعد ذكاء اصطناعي متخصص خلال عامين. كما تعمل غرف دبي على تدريب 14,000 شركة في القطاع الخاص على تقنيات الذكاء الاصطناعي المساعد، مما يعزز جاهزية الشركات لمواكبة التحولات التقنية العالمية والاستفادة من الحلول الذكية المتقدمة.
تؤكد هذه المبادرات على رؤية دبي الطموحة في ترسيخ مكانتها كمركز عالمي للاقتصاد الرقمي وصناعة المستقبل. فمن خلال الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، تسعى دبي إلى خلق بيئة عمل محفزة للابتكار، وتشجيع الشركات على تطوير حلول ذكية تلبي احتياجات السوق المتغيرة. كما ناقشت جلسات المنتدى الدور المتنامي لدبي كمختبر عملي لتطبيقات الذكاء الاصطناعي على مستوى المدينة، وبحثت فرص تطوير حلول التنقل ذاتي القيادة ضمن أطر تنظيمية متقدمة وبنية تحتية داعمة للابتكار. إن الانتقال من مرحلة التجارب الأولية إلى تطبيقات تحقق أثراً تجارياً قابلاً للقياس، وتعزيز قدرة الشركات على دمج التقنيات الذكية في عملياتها وخدماتها ونماذج أعمالها، هو ما سيشكل مستقبل الأعمال.
تعزيز تدفقات الاستثمار المتبادل والشراكات الاستراتيجية
لم يقتصر المنتدى على استعراض الفرص الحالية، بل امتد ليشمل بحث سبل تعزيز تدفقات الاستثمار المتبادل بين دبي والصين، لا سيما في قطاعات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المالية والتصنيع المتقدم والبنية التحتية الرقمية. كما ناقش المشاركون سبل تمكين المستثمرين في دبي من الوصول إلى الفرص التي تتيحها أسواق الملكية الخاصة ورأس المال الجريء والقطاعات الابتكارية في الصين، مما يعزز دور دبي كمنصة تربط رأس المال بالابتكار والتوسع الدولي. وتطرقت جلسات المنتدى إلى الدور المحوري للربط اللوجستي والتجارة الرقمية في دعم توسع الشركات عالمياً، حيث ناقش المشاركون سبل تطوير ممرات تجارية أكثر سرعة وكفاءة وترابطاً بين آسيا والشرق الأوسط والأسواق الدولية.
في قطاع التنقل المستدام، ناقشت إحدى الجلسات الفرص التي يتيحها التكامل بين القدرات التصنيعية والابتكارية للشركات الصينية، والترابط الإقليمي والعالمي الواسع الذي توفره دبي. وسلّطت الضوء على أهمية بناء شراكات استراتيجية تدعم توسع حلول التنقل الكهربائي، وتعزز ثقة المستهلكين، وتواكب التحول نحو اقتصاد أكثر استدامة. لقد أثبتت تجارب الشركات العالمية التي نجحت في الانطلاق من دبي نحو أسواق إقليمية ودولية، أن بيئة الأعمال المرنة والبنية التحتية المتقدمة والربط العالمي في دبي، تمكّن الشركات من توسيع عملياتها وتنويع أنشطتها بكفاءة.
في الختام، يمثل منتدى دبي للأعمال – الصين في شينجن خطوة هامة نحو تعميق الشراكات الاقتصادية والاستثمارية بين الطرفين. إنه ليس مجرد حدث عابر، بل هو تجسيد لرؤية مشتركة لمستقبل اقتصادي مزدهر، مبني على الابتكار، والتكنولوجيا، والتعاون الاستراتيجي، بما يعود بالنفع على اقتصادات دبي والصين والعالم بأسره.

اترك تعليقاً