باريس – فرنسا | في تحليل سياسي عميق أثار اهتمام الدوائر الاستراتيجية العالمية، سلطت صحيفة “لوموند” الفرنسية الضوء على التعقيدات البالغة التي تكتنف ملف نزع سلاح حزب الله بلبنان. ووصفت الصحيفة في افتتاحيتها الحسابات الإسرائيلية الحالية بأنها “قصيرة النظر” وتفتقر إلى الفهم الحقيقي للواقع الداخلي اللبناني. وتأتي هذه القراءة في ظل تصاعد التهديدات العسكرية من قبل وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، الذي توعد الحكومة اللبنانية بدفع “أثمان متزايدة” إذا لم تبادر فوراً إلى تجريد الحزب من ترسانته العسكرية، وهو المطلب الذي تعتبره الصحيفة الفرنسية وصفة مباشرة لحرب أهلية جديدة قد تعصف بما تبقى من استقرار في بلاد الأرز.
جذور الأزمة ولماذا تفشل التهديدات العسكرية؟
ترى “لوموند” أن فكرة نزع سلاح حزب الله بلبنان تحت وطأة القصف والتهديدات الخارجية هي فكرة غير قابلة للتطبيق العملي. لتوضيح ذلك، تعود الصحيفة بالذاكرة إلى عام 1990، مع نهاية الحرب الأهلية اللبنانية، حيث كان الحزب هو الفصيل الوحيد الذي احتفظ بسلاحه بحجة استمرار احتلال إسرائيل لجنوب لبنان. هذا الوضع التاريخي الاستثنائي سمح للحزب ببناء قوة عسكرية وسياسية ضخمة مدعومة بشكل مباشر من إيران، مما جعله رقماً صعباً لا يمكن تجاوزه في أي معادلة داخلية.
وتؤكد الصحيفة أن الضغط الإسرائيلي المتصاعد، والذي أودى حتى الآن بحياة مئات اللبنانيين، لا يساعد في حل الأزمة. بل على العكس، فإن التلويح المستمر باجتياح بري أو فرض عقوبات إضافية على مؤسسات الدولة يجعل مهمة نزع سلاح حزب الله بلبنان أمراً شبه مستحيل. وقد انعكس هذا الواقع في تصريحات قائد الجيش اللبناني، رودولف هيكل، الذي رفض الانجرار إلى مواجهة داخلية لفرض نزع السلاح بالقوة، محذراً من أن خطوة كهذه ستؤدي إلى تقويض سلطة الحكومة الهشة أصلاً، وتفتح الباب أمام صراع دموي بين المكونات اللبنانية.

الغضب الشعبي ومأزق الدولة داخل الدولة
على الرغم من التحذيرات من التدخل العسكري الخارجي، لا تغفل الافتتاحية الفرنسية الإشارة إلى حالة الاستياء الداخلي المتنامية. فالغضب الشعبي في لبنان يتصاعد تدريجياً بسبب شعور شريحة واسعة من المواطنين بأن الحزب هو من جر البلاد إلى هذه المواجهة العسكرية المدمرة مع إسرائيل. ومع ذلك، تشير “لوموند” إلى أن هذا الغضب الشعبي وحده لا يكفي لتحقيق نزع سلاح حزب الله بلبنان، نظراً لتجذر الحزب في بنية الطائفة الشيعية وامتلاكه لمنظومة خدماتية وعسكرية واقتصادية تعمل كـ “دولة داخل الدولة”.
وتتبنى الصحيفة الفرنسية موقفاً واضحاً بضرورة إنهاء هذا “الوضع الشاذ”، حيث لا يمكن لدولة ذات سيادة أن تتعايش مع فصيل مسلح يدافع عن مصالح خارجية (إيرانية) على حساب المصلحة الوطنية العليا. إلا أن الحل، وفقاً للتحليل، لا يكمن في إضعاف لبنان أو تدمير بنيته التحتية، بل في دعم مؤسساته الرسمية. إن الطريق الوحيد والأكثر أماناً نحو نزع سلاح حزب الله بلبنان يمر حتماً عبر تعزيز قدرات الجيش اللبناني وإعادة بناء المؤسسات الدستورية، وليس عبر تهميشها أو تحميلها مسؤوليات تفوق طاقتها.
انتقاد الموقف الأميركي والمخاطر المستقبلية
في سياق متصل، وجهت “لوموند” انتقادات لاذعة للسياسة التي تنتهجها الولايات المتحدة الأميركية في تعاملها مع الأزمة. وترى الصحيفة أن الاصطفاف الكامل لواشنطن خلف المطالب الإسرائيلية، وتأييدها غير المشروط للضربات العسكرية، يفرغ الجهود الدبلوماسية من محتواها. وتحذر الافتتاحية من المخططات الرامية إلى إقامة “منطقة عازلة” داخل الأراضي اللبنانية؛ فهذه الخطوة، إن تمت، لن تؤدي إلى نزع سلاح حزب الله بلبنان، بل ستمنحه “قبلة الحياة” السياسية من جديد.
تفسر الصحيفة هذا الاستنتاج بأن الاحتلال المباشر لأراضٍ لبنانية سيعيد إحياء خطاب “المقاومة والتحرير” الذي استند إليه الحزب تاريخياً لتعزيز شرعيته الشعبية وتبرير احتفاظه بالسلاح. وهذا السيناريو يعني إعادة إنتاج أخطاء الماضي التي أدت إلى انسحاب إسرائيل من الجنوب عام 2000 بعد استنزاف طويل، مما سيعيد الأزمة إلى المربع الأول وبشروط أكثر تعقيداً وخطورة على الأمن الإقليمي والدولي.
الخلاصة: تقوية الدولة هي الحل الاستراتيجي
تختتم “لوموند” تحليلها العميق بالتأكيد على أن لبنان يقف اليوم على حافة انهيار شامل قد يعيد رسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط. وبدلاً من الاعتماد المفرط على الحلول العسكرية التي أثبتت عقمها، يجب على المجتمع الدولي تغيير مقاربته بالكامل. إن تحقيق هدف نزع سلاح حزب الله بلبنان بشكل فعلي ومستدام يتطلب استراتيجية طويلة الأمد تركز على تمكين الدولة اللبنانية سياسياً واقتصادياً وعسكرياً.
إن أي سياسة تعتمد حصرياً على الضغط الخارجي والقصف المدمر ستؤدي بلا شك إلى نتائج عكسية؛ حيث ستعمق الشرخ الداخلي، وتضعف المؤسسات الشرعية، وتمنح الفصائل المسلحة بيئة فوضوية مثالية للبقاء والتمدد. لبنان اليوم بحاجة إلى خطة إنقاذ دولية تعيد للدولة هيبتها وقرارها السيادي، لتكون هي الجهة الوحيدة المخولة بحمل السلاح والدفاع عن حدود الوطن.

