في عصر تتسارع فيه وتيرة التحولات الرقمية، وتتغلغل فيه تقنيات الذكاء الاصطناعي في أدق تفاصيل حياتنا، يبرز سؤال مصيري يمس جوهر السيادة الوطنية: من يملك مفاتيح البيانات التي تشكل عقول الآلات، وبالتالي مستقبل المجتمعات؟ هذا التساؤل، الذي طرحه الخبير بوشعيب حمراوي، ليس مجرد استفسار نظري، بل هو دعوة استراتيجية ملحة للمغرب، كما هو الحال للعديد من الدول النامية، لتعزيز سيادته الرقمية في مواجهة هيمنة الشركات العملاقة والمنصات العالمية.
السيادة الرقمية: مفهوم يتجاوز مجرد التواجد الإلكتروني
لطالما ارتبط مفهوم السيادة بمفهوم الحدود الجغرافية والسلطة السياسية للدولة على أراضيها وشعبها. لكن في القرن الحادي والعشرين، اكتسبت السيادة بعداً رقمياً لا يقل أهمية. فالبيانات، التي أصبحت تُعرف بـ “النفط الجديد”، هي الوقود الذي يغذي محركات الذكاء الاصطناعي. ومن يتحكم في هذه البيانات، يتحكم في القدرة على تحليلها، واستخلاص النتائج منها، وفي نهاية المطاف، في تشكيل القرارات التي تؤثر على الاقتصاد، والمجتمع، بل وحتى على الفكر. عندما نتحدث عن “ذكاء اصطناعي سيادي” للمغرب، فإننا نتحدث عن قدرة المملكة على تطوير واستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي دون الاعتماد الكلي على حلول خارجية، ودون أن تكون بيانات مواطنيها وقطاعاتها الحيوية رهينة بيد أطراف خارجية قد لا تتماشى مصالحها مع المصالح الوطنية.
المغرب وطموح السيادة في عالم الذكاء الاصطناعي
إن تطلعات المغرب نحو بناء قدرات وطنية في مجال الذكاء الاصطناعي، مع التركيز على مفهوم “السيادة”، تأتي في سياق عالمي يتسم بمنافسة شرسة على ريادة هذه التقنية. فالقوى الكبرى تستثمر مليارات الدولارات في البحث والتطوير، وتسعى لضمان هيمنتها على سلاسل القيمة المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، بدءاً من تصميم الشرائح الإلكترونية وصولاً إلى تطوير الخوارزميات المعقدة. في هذا المشهد، تواجه الدول النامية، ومن بينها المغرب، تحديات جمة. أبرز هذه التحديات يتمثل في توافر البيانات الضخمة عالية الجودة، والبنية التحتية التكنولوجية المتطورة، والخبرات البشرية المتخصصة. وإذا كانت المؤسسات المغربية، سواء كانت حكومية أو خاصة، تعتمد بشكل متزايد على حلول وخدمات مقدمة من شركات عالمية، فإن هذا الاعتماد قد يعني، في أسوأ السيناريوهات، فقدان السيطرة على البيانات الحساسة، وبالتالي على القدرة على اتخاذ قرارات مستقلة. فالاعتماد على منصات خارجية يعني أن “مفاتيح” المعلومات التي تدير أعمالنا، وتفهم سلوك مواطنينا، وتقيّم احتياجاتنا، قد تكون في يد شركات لا تخضع بالضرورة للقوانين والتوجهات الوطنية.
من يملك بيانات المغاربة؟ ومن يتحكم في عقول الآلات؟
هذا هو السؤال الجوهري الذي يطرحه حمراوي. بيانات المغاربة، سواء كانت بيانات شخصية، أو بيانات معاملات بنكية، أو بيانات صحية، أو بيانات مرتبطة بالبنية التحتية، أو حتى بيانات تفاعلاتهم على وسائل التواصل الاجتماعي، تشكل كنزاً معلوماتياً لا يقدر بثمن. إذا تم جمع هذه البيانات وتخزينها ومعالجتها من قبل كيانات خارجية، فإن هذه الكيانات تكتسب قوة هائلة. يمكنها تحليل هذه البيانات لفهم السوق المغربي بشكل أفضل من أي جهة محلية، ويمكنها استخدامها لتطوير منتجات وخدمات تستهدف المغاربة، وقد تستخدمها أيضاً لأغراض لا تخدم بالضرورة المصالح الوطنية. والأخطر من ذلك، أن هذه البيانات هي التي تُدرب عليها نماذج الذكاء الاصطناعي. فإذا كانت “عقول الآلات” التي ستستخدم في المغرب مدربة على بيانات تم جمعها من سياقات ثقافية واقتصادية مختلفة، فقد لا تكون قادرة على فهم خصوصيات المجتمع المغربي أو تلبية احتياجاته بشكل دقيق. بل قد تعمل على تعزيز أنماط سلوك أو تفكير مستوردة. إن تحقيق “السيادة الرقمية” يتطلب بناء بنية تحتية محلية قوية لتخزين ومعالجة البيانات، ووضع تشريعات صارمة لحماية خصوصية المواطنين وتنظيم استخدام البيانات، وتشجيع الاستثمار في الشركات المحلية التي تعمل في مجال الذكاء الاصطناعي، ودعم الجامعات والمراكز البحثية لتطوير الخبرات الوطنية.
أبعاد إضافية للقارئ العربي
بالنسبة للقارئ العربي، فإن هذا النقاش لا يقتصر على المغرب وحده، بل يمتد ليشمل كافة الدول العربية. فالمنطقة العربية، بما تزخر به من إمكانيات سكانية واقتصادية، تواجه نفس التحديات. إن الحديث عن سيادة الذكاء الاصطناعي هو دعوة لجميع الدول العربية لتوحيد جهودها، وتبادل الخبرات، وإنشاء منصات عربية مشتركة للبيانات والذكاء الاصطناعي. هذا من شأنه أن يعزز القوة التفاوضية للدول العربية مع الشركات العالمية، وأن يضمن تطوير تقنيات ذكاء اصطناعي تتناسب مع القيم الثقافية والاجتماعية للمنطقة، وأن يساهم في بناء اقتصاد رقمي عربي مستقل وقادر على المنافسة عالمياً. إن الاستسلام للهيمنة الرقمية الخارجية يعني، في جوهره، التخلي عن جزء من السيادة الوطنية. لذا، فإن مسألة “من يملك المفاتيح؟” هي سؤال يحدد مسار التنمية والاستقلال في العصر الرقمي.
في الختام، إن طموح المغرب نحو ذكاء اصطناعي سيادي هو خطوة استراتيجية حاسمة. وهي تتطلب رؤية واضحة، واستثمارات مدروسة، وتعاوناً وثيقاً بين القطاعين العام والخاص، والأهم من ذلك، وعياً مجتمعياً بأهمية حماية البيانات الوطنية وضمان السيادة الرقمية. فالمستقبل لن يكون لمن يملك أحدث التقنيات فحسب، بل لمن يملك القدرة على التحكم في البيانات التي تشغل هذه التقنيات، وتوجيهها بما يخدم مصالحه العليا.

اترك تعليقاً