في ظل تعقيدات ملف سد النهضة الإثيوبي وتأثيراته المتزايدة على الأمن المائي لمصر، تبرز تصريحات المفكر السياسي البارز الدكتور مصطفى الفقي كإشارة تحليلية هامة، تحمل في طياتها آمالاً وتساؤلات حول الدور المنتظر للقوى الدولية في إنهاء هذا النزاع المستمر. فقد عبر الفقي عن تقديره للسياسة المصرية، واصفاً إياها بـ “الناجحة إلى حد كبير جدًا”، مشيراً إلى أنها تتسم بعدم المجاهرة بالعداء والسعي الدؤوب نحو التسوية. إلا أن اللافت في حديثه، والذي بث عبر برنامج “يحدث في مصر”، هو ترقبه لـ “خطوة” من الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، يرى أنها قد تكون “نوراً” يُنير به تاريخه في المنطقة، وذلك عبر إلزام إثيوبيا بتنفيذ اتفاق ملزم بشأن سد النهضة.
قراءة في استراتيجية التفاوض المصرية
تأتي هذه التصريحات في سياق دقيق، حيث تسعى مصر منذ سنوات طويلة إلى التوصل لاتفاق قانوني ملزم مع إثيوبيا والسودان بشأن قواعد ملء وتشغيل سد النهضة. إن وصف الفقي للسياسة المصرية بـ “الناجحة” يعكس فهماً عميقاً للاستراتيجية المصرية التي تعتمد على الدبلوماسية الهادئة، وتجنب التصعيد اللفظي أو العسكري، مع التركيز على إيجاد حلول توافقية. إن لغة “أقل خشونة” التي يتحدث بها الفقي عن تعامل مصر مع إثيوبيا، لا تعني الضعف، بل هي محاولة للحفاظ على قنوات الحوار مفتوحة، وتجنب استفزاز الطرف الآخر، مما قد يعقد مسار المفاوضات. هذه الاستراتيجية، وإن كانت تهدف إلى تحقيق الأمن والسلام، إلا أنها تواجه تحديات كبيرة في ظل إصرار إثيوبيا على المضي قدماً في مشاريعها دون مراعاة كاملة لحقوق دولتي المصب.
ترامب كلاعب محوري: هل يمكن أن يكون المنقذ؟
يبقى الجزء الأكثر إثارة للاهتمام في تصريحات الدكتور الفقي هو ترقبه لدور محوري من دونالد ترامب. ففي عالم السياسة الدولية، غالباً ما تكون التدخلات الأمريكية، خاصة في عهد إدارة ترامب، حاسمة. إن الإشارة إلى أن هذه الخطوة ستكون “نوراً يُنير به تاريخه في المنطقة” تفترض أن ترامب، بقدرته على فرض إرادته أو عقد صفقات غير تقليدية، يمكن أن يضغط على إثيوبيا للامتثال لاتفاق ملزم. لقد أظهرت إدارة ترامب في فترات سابقة استعداداً للتدخل في نزاعات إقليمية، وسعت إلى عقد اتفاقيات سلام بين دول عربية وإسرائيل. فهل يمكن لملف سد النهضة أن يكون صفقة أخرى يوقعها ترامب، تخدم مصالح مصر وتضع حداً للتوترات؟ هذا السؤال يفتح الباب أمام تحليل أبعاد محتملة لتدخل أمريكي قد يتجاوز الوساطة التقليدية إلى فرض حلول.
أبعاد الخبر للقارئ العربي
تكتسب هذه التصريحات أهمية قصوى للقارئ العربي، فهي لا تتعلق فقط بمصر، بل بمسألة الأمن المائي العربي ككل، حيث أن نهر النيل هو شريان حياة لملايين العرب. إن أي تهديد لموارده المائية يمس الأمن القومي العربي. لذلك، فإن الآمال المعلقة على تدخل دولي، وخاصة من قوة عظمى كولايات المتحدة، تعكس واقعاً استراتيجياً يتطلب توازناً في القوى الإقليمية والدولية. كما أن هذه التصريحات تدفعنا للتساؤل حول مدى فعالية الدبلوماسية المصرية إذا لم يساندها ضغط دولي مماثل، وحول الأدوات التي يمكن لمصر استخدامها لتعزيز موقفها التفاوضي دون اللجوء إلى التصعيد. إن انتظار “خطوة” من ترامب، رغم كونها تعكس تعقيدات الموقف، قد يشير أيضاً إلى استراتيجية مصرية طويلة الأمد في استغلال الفرص الدبلوماسية المتاحة، حتى لو كانت غير مباشرة.
التحديات المستقبلية
يبقى التحدي الأكبر هو ما إذا كانت هذه “الخطوة” المنتظرة ستتحقق فعلاً، وما إذا كانت ستكون كافية لإلزام إثيوبيا. فإثيوبيا، بحكم موقعها الجغرافي وعلاقاتها الدولية، لديها أوراق تلعب بها. كما أن السياسات الأمريكية قد تتغير بتغير الإدارات، ولا يمكن الاعتماد على شخص واحد لضمان مستقبل قضية حيوية كهذه. على الرغم من ذلك، فإن تصريحات الدكتور الفقي تفتح نقاشاً مهماً حول الدور الذي يمكن أن تلعبه القوى الدولية في حل النزاعات المائية، وحول ضرورة بناء تحالفات استراتيجية إقليمية ودولية تدعم حقوق الدول المتضررة. إن ملف سد النهضة ليس مجرد قضية مصرية، بل هو اختبار لقدرة المجتمع الدولي على إدارة الموارد المشتركة وضمان الأمن والاستقرار في منطقة حيوية.
في الختام، فإن ترقب خطوة من دونالد ترامب لإلزام إثيوبيا باتفاق ملزم بشأن سد النهضة، كما عبر عنها الدكتور مصطفى الفقي، يعكس مزيجاً من الأمل في الدور الأمريكي، والتقدير للاستراتيجية المصرية الدبلوماسية، والإدراك العميق لتعقيدات الوضع. ويبقى الأمل معلقاً على أن تتحقق هذه الخطوة، وأن تضع حداً لهذا النزاع الذي يهدد مستقبل منطقة بأكملها.

اترك تعليقاً